مقدمة
 يكتسي التواصل التربوي داخل الفصل الدراسي أهمية بالغة في قيام علاقات تبادل وبناء للمعرفة بين الأستاذ والتلاميذ، ولا يمكن الحديث عن عملية تعليمية تعلمية ناجحة تغيب الدور الحيوي للتواصل. وفي هذا الإطار، تعتبر عملية تدبير فضاء الفصل الدراسي من طرف الأستاذ (بمشاركة التلاميذ) مقياسا لمدى نجاح العملية التواصلية، إن على مستوى الحوارات الأفقية فيما بين التلاميذ أو بالنسبة للحوارات العمودية بين الأستاذ والتلاميذ. وهذا ينعكس بالطبع على مستوى التحصيل الدراسي للتلاميذ.
 هندسة الفصل الدراسي:
تقتضي كل حصة دراسية داخل الفصل الدراسي من كل تلميذ، أن يعيش أي نشاط معين في وقت محدد، داخل فضاء معين، مع فئة معينة من التلاميذ. وهذا، يبرز أهمية التفاعل الذي يحصل بين هذه العناصر الثلاثة التالية: الحيز المكاني، الحيز الزمني، ومجموعات الفصل الدراسي.
الحيز المكاني: L'espace
بحكم تعدد الأنشطة الدراسية، فإن هندسة الحيز المكاني للفصل تتغير حسب تغير طبيعة الأنشطة المراد إنجازها من طرف الأستاذ بمشاركة التلاميذ. ويمكن الإشارة في هذا الباب إلى ثلاث بنيات رئيسية وهي:

- البنية الكلاسيكية:
وهي الأكثر شيوعا في نظامنا التعليمي، تستعمل في حالة الدروس الجماعية، حيث ينظر جميع التلاميذ في اتجاه الأستاذ الذي يتخذ من موضع السبورة نقطة لإلقاء المعلومات، والتواصل إلى حد ما مع التلاميذ. تمكن الأستاذ من مراقبة الفصل الدراسي في نفس اللحظة. ومن بين سلبيات هذه البنية؛ نجد صعوبة المشاهدة بالنسبة للتلاميذ الجالسين في الصفوف الخلفية، دون أن ننسى المشكل النفسي المتمثل في تمثل التلاميذ أن كل من يجلس في الخلف فهو "كسول". إضافة إلى ذلك فهي تمكن بعض التلاميذ من الاختباء خلف الآخرين وهذا يحرمهم فرصة المشاركة في العملية التعلمية.

- البنية على شكل U:
تطبق في حالة ما إذا كان عدد التلاميذ قليل نسبيا، تسهل عملية التواصل الجماعية بين التلاميذ فيما بينهم وكذلك مع الأستاذ، تمكن الأستاذ من ضبط مجموع التلاميذ وتسهل عملية الانتقال فيما بينهم. أما المساحة الداخلية للفصل، فتشكل مجالا لعرض التجارب الشخصية التي يستفيد منها جميع التلاميذ. تطرح مشكل مشاهدة السبورة بالنسبة للتلاميذ الجالسين على جوانب الصفوف.

- البنية على شكل مجموعات صغيرة:
من أبرز البنيات على مستوى المردودية خصوصا بالنسبة للجانب التواصلي، تعتمد في مؤسسات التعليم الأولي وكذلك بالنسبة للدروس التطبيقية في مختلف المستويات. تمكن التلاميذ من التواصل والتبادل المعرفي داخل مجموعات صغيرة (4 إلى 6 أفراد) مما يضفي جو الحيوية والتنافس على أنشطتهم. تسهل عملية تنقل الأستاذ داخل الفصل والتواصل مع مجموع التلاميذ بشكل مباشر.

الحيز الزمني: Le temps
من بين الصعوبات التي تعترض العملية التعليمية بالنسبة للأستاذ، نجد طريقة تدبير الحيز الزمني للأنشطة الدراسية؛ حيث تعودنا تحديدها مسبقا من طرف الجهات الوصية على حقل التربية وخصوصا بالنسبة للمستويات الأساسية (ابتدائي/إعدادي). لكن وفي إطار المقاربة الجديدة المعتمدة على العمل بمبدأ الكفايات في حقل التربية والتكوين، أصبح ضروريا إشراك التلميذ في وضع جدولة زمنية لانجاز مختلف الأنشطة الدراسية، وهذا يكسبه كفاية إستراتيجية في القدرة على التخطيط المستقبلي.
بمساعدة اقتراحات الأستاذ، يتمكن التلميذ من اختيار أنشطة التعلم إلى جانب الزمن المخصص لكل نشاط بتطبيق (تقنية جدول البرمجة Tableau de programmation) ؛ حيث يقوم الأستاذ باقتراح بعض الأنشطة المختلفة (فردية، عمل مجموعة، جماعية)، ويقوم التلاميذ باختيار الأنسب لهم حسب تطلعاتهم. ومن إيجابيات هذه التقنية:
       - تمكين الأستاذ من اقتراح أهم وأفضل الأنشطة.
       - تعطي نظرة شاملة للتلميذ حول مايمكنه إنجازه.
       - تمكن التلميذ من وضع مخطط زمني شخصي للعملية التعلمية.
       - تنمي القدرة الإقتراحية للتلميذ قصد إضافة بعض الأنشطة الأخرى.
ينبغي في الأخير الإشارة إلى أنه على الأستاذ التحلي بالمرونة اتجاه التطور المسجل على مستوى دينامية القسم والتلاميذ.

مجموعات الفصل الدراسي: Les groupes de classe
يمكن للتلميذ الاشتغال في بعض الحالات بطريقة فردية، في إطار مجموعات أصغر حجما وفي حالات أخرى ضمن مجموعة القسم. وهذا يستدعي اكتسابه مجموعة من القدرات والوسائل الخاصة بكل نوع من أشكال الاشتغال:
أ - العمل الفردي:
يمكن التلميذ من وضع أسئلته الخاصة ثم محاولة اكتشاف الأجوبة المقنعة لها حسب انجازاته الفردية، وهذا يوسع مجال الاكتشاف لدى الفرد. ويعتبر هذا الصنف من أسهل الأساليب التي يمكن تطبيقها على أرض الواقع من الناحية التنظيمية.
ب - العمل ضمن مجموعات صغيرة:
من أنجح الأساليب من ناحية المردودية، حيث أن له امتداد في الحياة الاجتماعية والمهنية للأشخاص؛ من أجل تدبير فعال للمشاكل اليومية. ويعتبر العمل ضمن مجموعة بمثابة تعلم في حد ذاته، لأنه يساعد في تدبير مجموعة من الصراعات التي تحدث عادة داخل أي مجموعة. ويساعد في :
                 - تعلم الاشتغال ضمن نفس الحيز المكاني، رغم أن لكل مهامه الخاصة.
                 - تعلم قبول الرأي الآخر في حل الإشكاليات.
                 - تعلم الفعالية في إنجاز الواجبات
                 - تعلم بعض القواعد الخاصة بمنهجية الاشتغال والتدبير.
ويمكن لهذه المجموعات أن تكون دائمة أو مؤقتة في الزمن الدراسي.
* مجموعة العمل الدائمة:
هي المجموعة الرئيسية لتلميذ ما خلال زمن معين، (مثلا بالنسبة لمستوى التعليم الأولي يمكن لمجموعة أن تتواجد لمدة تصل إلى ثلاثة أسابيع كحد أقصى) وتمكن هذه الديمومة من:
                 - تيسير إنجاز الأنشطة داخل الفصل الدراسي.
            - تعويد التلميذ على العمل ضمن مجموعة لمدة دائمة، يجعله يتغلب على مجموعة من الصراعات الاجتماعية والنفسية التي تحدث داخل المجموعات (قبول تواجد الآخر، القبول بمبدأ تناوب قيادة المجموعة...)
 * مجموعة العمل المؤقتة:
دورها مكمل لصنف السابق، تشكل حسب متطلبات عمل مشترك يستوجب انخراط عدد من التلاميذ في نفس النشاط، وتنتهي صلاحيتها بنهاية ذلك النشاط. ويستوجب هذا النوع من التشكيل مرونة خاصة.
ج - العمل الجماعي:
وضعية تمكن من استثمار إنتاجات التلاميذ الفردية ضمن الإطار الجماعي، وتمكن كذلك من اقتراح إشكاليات جديدة على المجموعة من أجل الوصول إلى حل لها ضمن الإطار الجماعي.

   إعداد : لطفي حضري (بتصرف)

أضف تعليق


كود امني
تحديث